سلطانة

الإعتداء على الأساتذة.. مراهقة تلاميذ أم فشل في المنظومة التعليمية؟

عاش المغرب مطلع الشهر الحالي أحداثا وصفها المغاربة بالعنيفة وغير المبررة ضد عدد من رجال التعليم، بدأت تداعياتها بشريط الفيديو الذي يظهر تلميذا يعتدي على أستاذ بورزازات، تلتها صرخة أستاذ بالرباط، تعرض للضرب بآلة حادة كادت أن تودي بحياته.

وغير بعيد تعرضت أستاذة أخرى بالقنيطرة، لاعتداء وفق ما نشر في فيديو يظهرها محاطة بتلاميذ في القاعة ما أجج الجدل من جديد بين نشطاء الفيسبوك.

صراخ الأساتذة واستنكار الشارع، دقا معا ناقوس خطر واحد، محذرين من مآل التعليم وتربية الأجيال الحالية والقادمة، فكيف فقد الأستاذ هيبته؟ وهل المقاربة الأمنية ناجعة في مثل هذه الحالات؟

الأستاذة ظلمتني

بعيون حائرة، يجلس جمال فكادي الذي لم يتجاوز ربيعه الـ 18، أمام خضره يتأمل المارة ويمازح أصدقاءه من الباعة في سوق “الصالحين” بسلا، لكن ما إن بدأ بسرد حكايته، حتى كست نبرة الحزن صوته المبحوح، وبمرارة شرع في نسج خيوط قصة طرده من المدرسة، والتي تعرض فيها لظلم شديد على حد قوله، إذ تعود أحداث الواقعة إلى الدورة الأولى من السنة الماضية وبالتحديد في إعدادية الإمام البخاري.

“يقول “جمال”، كنت في السنة الثالثة إعدادي، عندما ظلمتني أستاذة العلوم، صحيح أنني كنت أحاول الغش، والأستاذة ضبطتني أمسك بورقة زميلي، لكنها لم توجه لي أي إنذار، وإنما أقدمت على أخد الورقة مني، الأمر الذي لم أتقبله، فبدأت المشادات الكلامية بيننا قبل أن أمزق ورقتي وأوراق تلاميذ آخرين، فاستدعت المؤسسة الشرطة وتم حبسي لمدة 48 ساعة”.

وقبل أن نغادر، همس جمال بصوت أقل نبرة من ذي قبل: “أريد أن أعود للدراسة، لا أريد أن أمضي حياتي وأنا أبيع الخضر، لن أقوم بأي عمل طائش مجددا، بالفعل أنا أريد العودة لمقاعد الدراسة، وأتعلم وأحقق أحلامي التي بدأت تذبل الآن أمامي”.

أساتذة يستفزون التلاميذ

بخطوات سريعة، وابتسامة عريضة، ووزرة شديدة البياض، استقبلتنا فاطمة أبو مدن قرب منزلها بحي الواد بسلا، التلميذة النجيبة التي تتابع دراستها بالجدع المشترك العلمي فرنسي، بالثانوية التأهيلية أحمد شوقي، وبدون تردد استرسلت في الكلام واصفة الوضع بالمؤسسات التعليمية حسب ما تراه عيناها: “بالنسبة لي، الأستاذ هو الأب فكيف يقدم التلميذ على ضربه، هذا أمر مرفوض وهذا ما تعلمناه في البيت، لكن والحقيقة تقال، هناك أساتذة يستفزوننا، وبالتالي فبعض التلاميذ لا يستطعون ضبط أنفسهم، فيردون الشتائم عليهم، ويمكن أن يصل الأمر إلى التراشق بالأدوات أو الاشتباك بالأيادي”.

وقبل أن تودعنا “فاطمة” التي عرفت بالتفوق في دراستها وبأخلاقها الحميدة، قالت: “هناك أساتذة نكن لهم كل الحب والاحترام، هم مثل آبائنا ويعرفون كيف يضبطون التلاميذ داخل وخارج الفصل”.

العنف ضد الأساتذة قديم

يرى عبد الكريم سفير، مفتش تربوي ممتاز لمادة الفلسفة والكاتب الوطني للجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة أن ظاهرة العنف المدرسي ليست ظاهرة جديدة، كل ما في الأمر أننا صرنا اليوم نعيش في ظل مجتمع التواصل والمواقع الاجتماعية التي أخرجت هذا الموضوع من السرية إلى العلنية.

وأرجع “سفير” أسباب انتشارها إلى تفشي العنف في كل مستويات الوجود الاجتماعي، وإلى “تخلي عدد من الأطر الاجتماعية عن مهامها التربوية من الأسرة والمدرسة والإعلام والمجتمع المدني والتأطير السياسي، إضافة إلى تفشي ظاهرة المخدرات في أوساط الشباب وغياب اي استراتيجية لمحاربتها”.

وحول اعتقال مرتكبي العنف قال: “اعتقالهم يدخل في صميم تفعيل القانون، لكني لا اعتبره سيحل المشكلة لأن جذورها تمتد في عمق المجتمع وتتطلب تكاثف مجهودات كل الفاعلين في الحقل الأسري المدرسي والإعلامي والمدني والسياسي، كما أن استغلال ظاهرة العنف يمتد اليوم من العنف ضد الاصول/الأسرة إلى العنف ضد عامة المواطنين في الشارع إلى العنف ضد رجال الأمن، كما ترتبط هذه الظاهرة بانسداد الآفاق أمام الشباب واستفحال الأمية والبطالة والفقر والهشاشة، فضلا عن كون المؤسسة السجنية لم تعد تقوم بدورها التربوي والتكويني والتقويمي والذي يفسر بظاهرة العودة إلى الجريمة بعد قضاء العقوبة السجنية”.

للمدرسة نصيب من المسؤولية

كشف رشيد الجرموني، المحلل والباحث في علم الاجتماع أن العنف الممارس من طرف التلميذ ضد الأساتذة ظاهرة برزت في المدرسة المغربية منذ 20 سنة تقريبا، وتكاثرت في السنوات الأخيرة، بسبب وجود نوع من التحول على مستوى القيم في المجتمع المغربي وفي المدرسة، وهو مرتبط بالأساس بطبيعة الأجيال التي التحقت بالمدرسة، أذ أنها تعيش نوعا من التوتر الاجتماعي أو النفسي، والتي يتم تفجيرها في المدرسة.

وبالمقابل فالمدرسة لم تطور وسائلها، ففي السابق كانت تقوم على العقاب البدني، والآن وبعد التخلي عنه لم تقدم البديل لتدبير الخلافات الداخلية في المدرسة أو القسم، فحدثت الفجوة بين المدرسين وتلاميذهم، وهنا برز العنف بشكل منفلت.

تعنيف الأستاذ ضرب للمقدسات

لفهم الظاهرة بشكل أكبر، والتعمق في نفسية المجتمع طرقنا باب الدكتور جواد مبروكي، الطبيب والمحلل النفساني، الذي أكد أن: “ما حدث في قسم ورزازات لا يمكن اعتباره إلا كأعراض مرض ينتشر في مجتمعنا، وأن المراهق أو التلميذ يضرب في مقدسات المجتمع لأن الأستاذ والمدرسة من المقدسات، والأستاذ هو الأب والأم، وما وقع هو طعنة في صميم قلب المجتمع”.

“المسألة خطيرة ومستعجلة تظهر مدى التفكك بين الأسرة والمدرسة والمجتمع، فالأسرة التي تظل طيلة النهار تنتقد الأستاذ والمدرسة، فالأكيد أن الطفل سيعتبر الأستاذ عدوا، وغياب التربية الروحانية والتربية على القيم الانسانية و كثرة الأحكام المسبقة تؤدي إلى انتاج انحراف سلوكي”، يضيف ذات الدكتور.

حلول مقترحة

عن الحلول الناجعة التي بإمكانها أن تحد من ظاهرة العنف الذي يطال الأساتذة من تلاميذهم، اقترح الدكتور رشيد الجرموني حلا لمثل هذه الحالات الشاذة التي بدأت تتكاثر وتتناسل بشكل مهول في الآونة الأخيرة، إذ أوضح أن هناك حالات لا يصلح أن تدرس بالطريقة العادية، وإنما يحتاج الأمر إلى اجراءات عملية تفتح أمامهم فضاءات جديدة تستوفي شروط أخرى ومدرسين آخرين، كما أن المقاربة الأمنية رغم أهميتها إلا أنها غير كافية.

ودعا الدكتور إلى توظيف أخصائيين نفسانيين واجتماعيين لمتابعة مثل هذه الحالات، وإلى إضافة حصص الرياضة والموسيقى التي من شأنها تهذيب النفوس .

ومن جهته، شدد الدكتور جواد مبروكي على ضرورة إشراك أطراف عديدة للتشاور في هذه المشاكل وبرمجة خطة استراتيجية للحلول، فهناك جانب تكوين الأساتذة على معرفة نفسية الطفل وبالخصوص المراهق، بالإضافة إلى الشراكة بين العائلة والمدرسة ، كما دعا المحلل إلى مراجعة برامج التعليم المتعلقة بقيم التسامح والتعايش والوحدة في التنوع، ومراجعة طريقة التعليم والتوقف عن اعتبار الطفل كأسا فارغا يجب ملؤه بالمعلومات واعتباره منجما يحتوي على مجوهرات، وعلى المعلم أن يرافقه لتنمية قدراته واستخراجها من الداخل ويصبح التلميذ له مسؤولية في تكوينه.

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا لتبقى على اطلاع
قد يعجبك ايضا