سلطانة

خديجة البيضاوية..مسار حياة “ملكة العيطة المرساوية”

ترجلت عن صهوة الحياة بعدما تربصت بها أنياب الدهر وأوقعتها في قبضة ورم خبيث قاس، غزى أحلامها، وأقلق خفقان قلبها، وبِصُفْرَةٍ شاحبة لون وجهها، أنهك قواها ولم يرحم هونها ولا سنها.

هي خديجة البيضاوية، التي حملتها رياح الحياة من امرأة محافظة تنتمي لحي شعبي بالدار البيضاء، كان حاضنة لفن العيطة (بن مسيك، سباتة)، إلى أيقونة العيطة المرساوية التي أشاد الجمهور بقوة صوتها، وكانت تردد عليها الطلبات من كل زاوية، سواء في الأعراس، أو المناسبات الوطنية أو التلفزيون.

ولدت خديجة البيضاوية سنة 1953، ونشأت وهي تستمع لموسيقى بوشعيب البيضاوي، ومطربين آخرين كانت تستمع لهم في الأعراس وتقلدهم، حتى تعلمت أساسيات هذا الفن وحفظت موروثه.

تركت طموحاتها الفنية جانبا، حين تزوجت، إلا أن القدر أذاقها مرارة الموت في زوجها وهي في منتصف العشرينات، فبدأت مسيرتها الفنية، وأصبحت تؤدي أغاني من فن العيطة في الأماكن العامة سرا دون علم عائلتها.

وكان أول ظهور لها على الملأ، عندما رافقت شيخة مشهورة من الحي، وصرحت في إحدى الحوارات التي أجريت معها قائلة: “كنت أخبر عائلتي أنني كنت أقضي الليلة في منزل العمة، وأذهب إلى حفلات الزفاف مع مجموعة من الشيخات كنت راقصة مشهورة جدا”.

كانت الراحلة خديجة البيضاوية في بداياتها، تعيش صراعا نفسيا داخليا، بين الطموح والقيم، بين عزمها على ممارسة حبها لفن العيطة، وبين رغبتها في عدم كسر القيم والمبادئ الأخلاقية المحافظة التي نشأت فيها، وسبق وقالت في أحد تصريحاتها: “على الرغم من أنني كنت أمطر بالمال كل مساء، إلا أنني كنت أبكي في نهاية كل عرض، شعرت بالخجل، لطالما أخبرتني عائلتي أن الغناء والرقص في الأماكن العامة أمر مخزٍ. أخيرا قال لي مديري في إحدى الليالي: عليك أن تقبلي موهبتك، أنت فنانة”.

وفي نهاية سنة 1979، كانت البيضاوية تغني في المسرح بلباس تقليدي وتسريحة شعر عصرية، وتطلق العنان لصوتها ليصدح بعيوط “الشاوية” التي تطرب الأذن وتختزن “المعاني”، كان جمهورها يعشق جدا “عيطة الغزال”، ويطلب منها في أكثر من مرة أن تؤديها بصوتها الرنان الشجي.

وبعدها بسنوات، أطلقت خديجة البيضاوية أكثر من عشرة أشرطة “كاسيت”، وصنعت بذلك مجموعتها الخاصة، واستمرت في إطلاق مجموعة من أشرطة العيطة، لتخلق لنفسها بذلك لقب “ملكة العيطة المرساوية”.

وكانت الراحلة سفيرة العيطة المغربية، حيث غنت هذا الموروث في العديد من الدول، كفرنسا، وهولندا، وبلجيكا وغيرها، إلى أن نخر السرطان عظامها وجعلها طريحة الفراش، فالتحقت بالرفيق الأعلى، صباح اليوم السبت، بالمستشفى العسكري بالرباط، عن عمر يناهز 69 سنة.

هو مسار حياة امرأة تحدت واقعها وسارت خلف طموحها، لتخط اسمها في مجلد التاريخ وبين صفحات “رواد فن العيطة”، ليبقى لقب “ملكة العيطة المرساوية” مقترنا إلى الأبد باسم واحد، وهو خديجة البيضاوية.

بقلم الصحافية المتدربة أمينة مطيع

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا لتبقى على اطلاع
قد يعجبك ايضا