سلطانة

كنزة الأوْرَبِيّة…امرأة صنعت تاريخ الأدارسة

يقال إن التاريخ يكتبه المنتصر، لكن ليس في هذه الحكاية، التي بطلتها امرأة وقعت في براثن الهزيمة، فلملمت شتاتها ورممت جراحها ثم شمرت على ساعدها لتكتب تاريخ دولة ناهز حكمها قرنين من الزمن بالمغرب الأقصى.

قصة امرأة من عتمة التاريخ مازال صداها يتردد إلى حدود الآن، هي من صنعت تاريخ دولة الأدارسة “كنزة الأوْرَبِيّة”.

كنزة الأوْرَبِيّة من قبيلة أوربة الأمازيغية، زوجة المولى إدريس الأول بن عبد الله بن الحسن بن علي ابن أبي طالب، مؤسس أول دولة إسلامية بالمغرب الأقصى.

وبعد أن تمت مبايعة المولى إدريس الأول سنة 172 هجرية، من طرف قبائل زناتة، ومكناسة، وزواغة وغمارة، بالإضافة إلى قبيلة أوربة التي أرادت توطيد علاقتها معه من خلال تزويجه كنزة الأوْرَبِيّة، ابنة زعيم القبيلة سنة 174هجرية، بمهر حدد في 600 دينار.

وتوفي المولى إدريس الأول متسمما بعد فترة قصيرة من الزواج، على يد “سليمان الشماخ” الذي أُرسل بأمر من هارون الرشيد، بعد أن شكل توسع الدولة الإدريسية خطرا كبيرا عليه.

ولعبت كنزة الأوْرَبِيّة دورا كبيرا في ضمان استمرار الدولة الإدريسية وإرساء قواعدها، حيث لم تكن شديدة الجمال والحسن فقط بل عُرفت أيضا برجاحة عقلها وحكمتها البالغة، ففي الوقت الذي ظن فيه الكثير أن عصر الأدارسة قد ولى، كانت هي حامل وتمكنت بفطنتها من الحفاظ على كرسي العرش لجنينها.

أسمته إدريس تيمنا بزوجها الراحل، وعملت على إعداده جيدا لتحمل مسؤولية الحكم، وتولت تفاصيل أموره كلها حتى إطعامه كي لا يسقط ضحية مؤامرة كما وقع مع والده، جمعت له بيعة العديد من القبائل، فنصب سلطانا وهو في 11 من عمره.

قصة هذه المرأة العظيمة لم تقف هنا، بل زوجت ابنها في 16 من عمره، ورزق ب 12 مولودا ذكرا، إلى أن وافته المنية في 213 هجرية، فأشارت برأي بليغ الحكمة على حفيدها الأكبر محمد بن ادريس، بأن يتولى مسؤولية الحكم مكان والده، وأن ينصب إخوته الثمانية على المناطق التي سيطر عليها والدهم المولى إدريس الثاني لتجنب نزاع الإخوة حول الحكم.

وجاء في الصفحة 51 من كتاب “روض القرطاس” لعلي بن أبي زرع: “لما ولي محمد بن ادريس، قسم المغرب بين إخوته، وذلك برأي من جدته كنزة… دار ملكهم وقرار سلطانهم، وتصاغر الباقون عن الولاية فبقوا في كفالة جدتهم (كنزة) مع أخيهم محمد الأكبر”.

بحكمتها وحسن تدبيرها، نقشت اسمها بين صفحات التاريخ كامرأة مغربية سياسية، بفضلها استمر نسل الأدارسة وحكمهم بالمغرب الأقصى.

بقلم الصحافية المتدربة أمينة مطيع

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا لتبقى على اطلاع
قد يعجبك ايضا