الكتابة سلاح مقاومة في وطن يرعب فيه حجر الطفل المحتل

بخطى متئدة تجر جسدا يبدو نحيفا ومنهكا، وبوجه بشوش لم تنل من تقاسيمه عوادي الدهر، ولجت المناضلة والكاتبة الفلسطينية عائشة عودة (مركز الشيخ إبراهيم للثقافة والبحوث) في مدينة المحرق شمال البحرين، للقاء جمهور كان على موعد للإنصات إلى سرد تجربة ذاتية مميزة، شحذتها الكتابة كفعل مقاومة وتحرر.

بصوت خفيض ومرهف، يشع بأمل الانبعاث والانعتاق، حكت عائشة عودة التي تحررت من الأسر في 1979، بعد عشر سنوات في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قصتها، وهي قصة شعب يواجه البطش اليومي في أبشع صوره.

قصة من قصص فلسطين، منجم الحكايات والبطولات الإنسانية التي تفوق تفاصيلها الخيال.. قصص وروايات محبوكة وجاهزة لكي تصبح أفلاما.. لم ينج أحد من قبضة الاحتلال الغاشم إلى درجة أن كل فلسطيني يرى أن قصته تستحق أن تروى.

قصص شعب تصادر من أعمار ناسه مئات الآلاف من الساعات يوميا، وهي مصلوبة على الحواجز وأمام مؤسسات الاحتلال المختلفة وخاصة في القدس، أو هي تهيم في الطرقات إلى سجون القهر الجاثمة في أكثر المواقع قسوة وبعدا عن الحياة.. شعب يخسر الكثير من قوت عياله، يوميا، جراء تعطيل أعماله وهو يلف ويدور من أجل إيجاد منافذ وطرقات للوصول إلى البيت أو العمل.

كانت قوات الاحتلال تطوق بيت عائلة عائشة عودة. وكانت هي أمام خيارين صعبين أحلاهما مر: إما الفرار من الوطن وإما السجن.. كان ذلك يوم الأول من مارس عام 1969. وكان قرار مواجهة المحتل من مسافة الصفر. تقول الكاتبة: "قال البعض إنه جنون.. ربما.. لكنه بالتأكيد كان تعبيرا عن إرادة جيل أراد القطيعة مع ماض أسود متشح بالضعف والتقاعس والهزائم.. جيل يريد الانطلاق إلى مدار جديد". وكانت المواجهة التي تم التعبير عنها في كتابيها (أحلام الحرية)، و(ثمنا للشمس).

ما يقض مضجع المحتل، فزعه ورعبه مما ومن يتصوره مصدر هشاشة واستكانة.. المرأة التي أريد لها أن تكون كائنا ساكنا مستكينا داخل أسوار البيت اكتسحت كل الميادين.. هناك من المناضلات من دفعن حياتهن كاملة، ومنهن من دفعن أعضاء من أجسامهن، ومن دفعن سنوات طويلة من أعمارهن عن طيب خاطر.

تقول: "انتصرت وانهزموا.. انتصرت إرادة شعبي. إرادة الحق والعبرة جلية.. فكيف استطاعت شابة وحيدة، معزولة ومجردة من كل شيء إلا من إرادة الحق، أن تنتصر على كل ذلك الجبروت المدجج بكل أشكال البشا..".

في فلسطين، يشتعل الرعب في أحشاء المحتل الذي حول بالقهر والجبروت كل شيء إلى رماد، ويغدو مرتعدا من فعل طفل يحمل حجرا في يده الصغيرة.. طفل يندفع بإرادة الكون على رفض الظلم والقهر، ليقذف به جنود الاحتلال المدججين بأحدث الأسلحة.

تحكي الكاتبة الفلسطينية عن برنامج بث مؤخرا على فضائية إسرائيلية: المراسل يتقدم من فتية مقدسيين في أيديهم حجارة، ويسألهم: ألا تخشون الجندي¿ إنه أقوى منكم ومسلح ويمكن أن يطلق النار عليكم ويعتقلكم.. يمكن أن تصابوا أو تموتوا.. يجيب الفتية: "لا، نحن لا نخشى الموت، ولا الإصابة، ولا السجن.. لكننا لا يمكن أن نستمر في رؤية هؤلاء الجنود يصدوننا فوق أرضنا".. يظهر الرعب على مذيعة البرنامج وهي تعلق مرتعدة على الحديث مباشرة، بالقول: "إن هذا أكثر ما يدخل الرعب في قلوب الإسرائيليين..!".

إنه الحجر الصغير في يد الحق يتفوق على كل القوة في يد الظالم.. إنه تعبير عن العنقاء تنفض عنها الرماد وهي ناهضة لا محالة.. العنقاء قد تنام وتغط في سبات عميق لكن لا بد لها أن تصحو وتنهض من جديد.. إنه شرط وجود وإرادة حياة.

"وأنا أرى واقع أمتنا حيث لا تسر صديقا ولا تغيظ عدوا.. أغمض عيني وأستل أحلام الماضي علها تنهض أمتنا كالعنقاء من بين الرماد.. هل حقا تنهض العنقاء من الرماد¿ في فلسطين نؤمن بهذا الانبعاث رغم وجود الرماد الكثير الذي يصنعه الاحتلال.."

مشاركة