مارية مكريم.. إعلامية مثابرة عزيمتها في المهنة تهد الجبال

يوجد صحافيون يقرؤون كثيراً ويكتبون قليلاً، وصحافيون يكتبون كثيراً ويقرؤون قليلاً، لكن مرية مكريم من طينة الصحافيين الذين يقرؤون كثيراً ويكتبون كثيراً أيضا.

لم تكن الطريق أمامها مفروشة بالورود، وقد عاشت الكثير من المحن في مهنة المتاعب،

صحافية محبة للحياة، تشتغل في صمت، فولاذية الأعصاب، صارمة المعاملة، مدافعة شرسة عن المهنة، تعرف كيف تخرج من المواقف الصعبة، لا تتراجع عن الدفاع عن المهنة ولو تسرب إليها ضعف، لإيمانها الصادق أن الضعف فرض مشروع في الانسان الذي يعي معنى أن تحمل قضية ومسؤولية الدفاع عن الكلمة والحق.

مسارها الصحفي لافت، غني، بهي، ومليء بالعمل والنجاحات المهنية، انطلقت من الأسبوعية الذائعة الصيت آنذاك " الصحيفة"، ثم انتقلت بعد ذلك إلى صحيفة الأيام، تميزها قادها في وقت قصير إلى تقلد منصب رئيسة التحرير في اسبوعية "الايام"، هذا المنصب الذي ظل حكرا على الرجال منذ بداية الصحافة في المغرب. في سنة 2012 اختارت مارية مكريم أن تؤسس صحيفة إلكترونية، وبذلك تكون أول صحافية في المغرب تقود سفينة الصحافة الالكترونية.

أطلقت موقع فبراير، عنوانا لفترة مهمة في تاريخ المغرب الحديث، وتوثيقا لحقبة زمنية أحدثت رجة كبيرة وحراكا غير مسبوق في الشارع المغربي والعربي، ودواليب السياسة.

تعتبر الصحافة مهنة ممتعة، تمارسها بحب، قادها الشغف إلى التخصص في أصعب الاجناس الصحافية وأكثرها تعقيدا، أنجزت العديد من التحقيقات التي حركت من خلالها الكثير من المياه الراكدة تحت جسر السياسة.

آمنت أن الصحافة تجسد المعنى الحقيقي للسلطة، التي تراقب السلطات الثلاث، وحملت فوق أكتافها مهمة تغيير ملامح العمل الصحفي بالمغرب، وتشبثت بأدوار الصحافة الجادة والبناءة، في ظل قتامة المشهد، وهي كلها اعتقاد أن الصحافي يحمل رسالة وقيم يجب أن يدافع عنها، ولو كان ذلك بثمن.

نجاحها المبهر في عز شبابها قادها لتحقيق العديد من الانتصارات المهنية، نالت في سنة 2004 جائزة الصحافة المكتوبة المغربية في صنف التحقيق، وتوجت كأفضل شخصية تميزت سنة 2014 في مجال الأنترنيت والشبكات الاجتماعية، وقادت موقع فبراير في سنة 2020 للفوز بجائزة ماروك ويب أوردز ضمن صنف أحسن موقع في المغرب.

رأت مرية مكريم النور في مدينة الدار البيضاء، حاصلة على شهادة الباكالوريا في الآداب العصرية، عشقها لصاحبة الجلالة قادها لإكمال تكوينها في معهد الصحافة والاعلام، تسلحت بمبادئ الصحافة وقواعدها هناك، وخرجت إلى الميدان للدفاع عنها وممارستها بدون زيادة أو نقصان.

تملك طاقة عمل كبيرة، تحرص على عقد اجتماع هيئة التحرير يوميا في الصباح الباكر، صارمة عندما يتعلق الامر بالمهنة، تتحرك بخفة ونشاط وحيوية، محاورة بارعة تعرف كيف تسأل ومتى تسأل، ولديها قدرة رهيبة على التحليل.

يحترمها زملاؤها لمزياها الشخصية، ويقدرها مخالفيها لمهنيتها العالية، لا تخشى المحاكم، توبعت في قضايا عدة، كان آخرها قضية لها علاقة بمشروع دعم الصحافة الاستقصائية من موقعها كرئيسة سابقة للجمعية المغربية لصحافة التحقيق، وتوبعت بغرامة قدرها 5000 رفقة ستة صحفيين آخرين ونشطاء، من أبرزهم المؤرخ المعطي منجب.

مدافعة شرسة عن حق المرأة، وجهت انتقادات لاذعة لرئيس الحكومة السابق عبد الاله بنكيران، لأنه اختزال المرأة في صورة ناقصة، لكنه حرص على الحضور في حفل نظمته بمناسبة مرور أربع سنوات على تأسيس موقع فبراير، وقال حينئذ إنه يحترم مهنتيها العالية، ويحترم المجهود الكبير الذي تبذله في سبيل مجال محفوف بالمخاطر، ويقدر النجاح الذي حققته وتحققه المرأة المغربية.

مارية مكريم من الاسماء البارزة في الساحة الإعلامية المغربية، تمثل كتيبة تصنع صحافة الحقائق، وليس صحافة الإثارة التي تنشر وتعمم الجهل وتناهض الوعي ولا تحترم الذكاء. إنها تدرك أن المعلومة يجب أن تصل كما هي، حتى وإن فرضت السياقات غير ذلك.

يقال إن العمل في الصحافة في كومة المضايقات يحتاج إلى صبر أيوب وأكثر، لكن لسان حال مارية مكريم يقول إن العمل في الصحافة يحتاج إلى حب، وعندما يتعلق الأمر بالحب تذوب كل الصعاب.

مشاركة