عاشوراء.. طقوس اجتماعية تهددها العولمة بالزوال

يحتفل المغاربة سنويا بذكرى "عاشوراء"، وهي مناسبة تسبقها استعدادات احتفالية رمزية متوارثة ومترسخة في التقاليد والعادات المغربية.

وتحتفل جميع الفئات العمرية من مختلف الشرائح الاجتماعية في جل ربوع المملكة بهذا الحدث الشعبي، إذ تتميز كل جهة بطقوس وأعراف معينة طبعت الثقافة الإجتماعية المغربية عبر الأجيال.

وتنتظر النساء المغربيات منهن التقليديات بشغف قدوم هذا اليوم الإستثنائي و "المقدس" لديهن طيلة السنة للإحتفال به للترويح عن النفس والترفيه والتمتع بالحرية وإعداد أطباق خاصة بالمناسبة.

"عائشة" ستينية تقطن بأحد أحياء العاصمة الإدارية، بيضاء البشرة قصيرة القامة وممتلئة قليلا ترتدي قفطانا مغربيا فضفاضا بتصميم قديم، قالت بنبرات هادئة وبكلمات مصقولة بالحكمة في حديثها لمجلة "سلطانة" الإلكترونية: "بعد زواجي حرصت على مواصلة العادات التي ورثتها والدتي عن جدتي دون أي تقصير وأحاول أن تظل جزءا من سيرورة حياتنا الحالية رغم متغيرات العصر المتسارعة".

وتابعت حديثها بنظرات تنبض بالحكي: "في منزلنا الذي كان في أقدم حي بمدينة القنيطرة وخلال اليوم الأول من عيد الأضحى كانت والدتي تحضر القديد "شرائح اللحم الرفيعة مملحة ومجففة" والكرداس "أكياس من كرش الخروف مملحة ومجففة، محشوة بقطع من الرئة مع الشحوم وملفوفة بالأمعاء" لإعداد طبق الكسكس بهما ليلة عاشوراء، وفي اليوم الأول من السنة الهجرية تبدأ أولى تباشير هذه المناسبة، إذ تعرض المحلات التجارية الفواكه الجافة والآلات الموسيقية التقليدية "الطعريجة والبندير" ويشرع الشباب والأطفال في جمع أغصان الأشجار والأشواك والحطب وتخزينها في إحدى زوايا الحي لإضرام النيران "الشعالة" في تلك الليلة".

القديد

وأضافت: "في ليلة عاشوراء وبعد غروب الشمس ينشغل الأولاد في صنع كومة كبيرة من الحطب وسط الحي، وفي جهة أخرى تتجمع الصبيات وهن يرتدين الزي التقليدي المغربي ويحملن طبق من الفضة به عود "الند" يجبن الأزقة القريبة لجمع قدر رمزي من المال يسمى "حق بابا عيشور".

وصرّحت عائشة: "بعد ذلك يبدأ طقس "الشعالة" إذ يوقد الأطفال النار في الحطب حتى تتوهج بشدة وتحوم البنات حوله وهن يطبلن بـ "التعاريج" والدفوف ويرددن الأهازيج الشعبية الخاصة بالحدث تشير إلى تحررهن من سلطة الرجال كـ "آ بابا عيشور خلينا نلعبوا ما حدنا صغارات والقمرة تشعشع والنور داير بينا"، و "هذا عاشور ما علينا لحكام أللا.. فعيد الميلود كيحكمو الرجال أللا .." ويقمن كذلك بقص بعض الخصلات من شعرهن ورميها في النار بهدف الحصول على شعر أجمل وأطول مرددات: "عيشوري عيشوري عليك دليت شعوري" ، وعندما يخف لهيب النيران قليلا يشرع الشباب في القفز فوقها وكل واحد يتباهى ببراعته على فعل ذلك".

الشعالة

وبعدما تخمد النار يرجع الجميع مؤقتا إلى منازلهم لتناول وجبة العشاء المكونة من الكسكس بالقديد والكرداس مع ذويهم ثم يتجمعون بعدها وسط الحي للغناء تارة ولسرد الحكايات الشعبية القديمة المعروفة تارة أخرى".

وختمت المتحدثة كلامها بالقول: "في صباح يوم عاشوراء يتراشق معظم الناس بمياه الصنبور، فهذا الاحتفال معروف لدى المغاربة بـ "زمزم" ، كما تنشغل الأمهات بتجهيز مائدة الفطور التي يترأسها طبق الفواكه الجافة".

زمزم

وأصبحت هذه التقاليد تسير نحو الاندثار أمام زحف أنماط العيش الجديدة والفتور الذي أصاب روح العلاقات الإجتماعية بين العائلات والجيران.

الباحث في علم النفس الجنائي سيدي إدريس العلوي قال لمجلة "سلطانة" الإلكترونية: "ارتفع الذكاء المغربي بنسبة 50 في المائة خاصة عند فئة الشاب الذين يُعتبرون النواة الرئيسية للإحتفال بعاشوراء التي أصبحت طقوسها لديهم مجرد خرافة وخزعبلات وهدر الوقت والزمن نظرا لانشغالهم بمجالات أخرى من بينهما الشبكة العنكبوتية والقنوات الفضائية".

وتابع "العلوي" قائلا: "كما أن المرأة حاليا تهتم بجمالها وبصحتها أكثر بفضل التوعية الصحية عبر وسائل الإعلام المرئية والسمعية التي جعلتها تبتعد عن تحضير وجبات الدسمة كالكسكس بـ "القديد" لتجنب الإصابة بالأمراض المزمنة كـ "الكوليسترول" الشيء الذي يشكل عائقا لمسايرة طقوس العاشوراء".

لكن من جهة أخرى هناك بعض الأسر خاصة في المدن العتيقة التي تظهر فيها معالم الاحتفال ما زالت تحتفظ بليلة العاشوراء وذلك بتحضير أطباق الكسكس التقليدي إذ تتجمع حوله العائلات ويتبادلها الجيران فيما بينهم كما يتم تقديمها للفقراء والمحتاجين لتعم مظاهر الفرح" يقول المتحدث.

فإذا كان إذن جزء من هذه الطقوس ما زالت تحتفظ به العائلات، فإن هناك بعض النسوة يستغلن ليلة هذه المناسبة لإلقاء مواد البخور لتحقيق أهداف شتى، إما بالزواج أو لجعل الزوج يخضع لهنّ طوال السنة المقبلة إلى أن تحل العاشوراء المقبلة وفق معتقداتهن.

مشاركة