الهدر المدرسي ينخر كيان الفتاة القروية بالمغرب العميق

لا يختلف اثنان في أن التعليم يعد حقا من حقوق الإنسان، يكفله الدستور المغربي، كما يعتبر أيضا عنصرا أساسيا لرقي الأمم وعاملا حاسما في تقدمها، ومع ذلك تضطر الفتيات ببعض مناطق المغرب العميق إلى ترك مقاعد الدراسة في سن مبكرة.
"سلطانة" وقفت على حالات كثيرة لفتيات في مقتبل العمر بمناطق نائية، حيث يعتبر بعد المؤسسة عن الأسرة، وانعدام النقل المدرسي، بالإضافة إلى عدم الاستفادة من منحة الداخلية، كانت كلها من بين الأسباب التي تقف وراء حرمانهن من مواصلة مسارهن الدراسي.
بعد المؤسسة وانعدام المنحة..

مؤسسة محمد السادس
بألنيف (حوالي 110 كلم عن مدينة تنغير)، يضطر آباء وأولياء التلاميذ بالدواوير البعيدة عن ثانوية محمد السادس التأهيلية، إلى فصل بناتهم عن الدراسة، وذلك بعد نجاحهن من المستوى الإعدادي، خاصة في حال عدم استفادتهن من منحة الداخلية.
فاطمة باسو (40 عاما)، أم تلميذة تتابع دراستها في الأولى بكالوريا من السلك الثانوي التأهيلي بالمؤسسة ذاتها. تقول "اضطررت إلى فصل ابنتي عن الدراسة خلال السنة الحالية بعدما لم تستفد من منحة الداخلية، وكانت قد حرمت منها في السنة الماضية".
وبنبرة صوت حزينة أضافت فاطمة، " ليس باستطاعتي تغطية تكاليف الكراء والمصاريف اليومية الباهظة التي سبق أن أرهقت كاهلي السنة الماضية".
دعوة لبناء مؤسسات قريبة من السكن..

ويرى يوسف حماد الذي يشتغل فاعلا جمعويا بالمنطقة، "أن الحل الأمثل لهذه المشكلة يتجلى في بناء مؤسسات تعليمية جديدة بالقرب من الدوار مثل أزقور ومصيصي وحصيا، في ظل الاكتضاض والضغط الكبير الذي تعاني منه المؤسسة".
ويشير أحماد إلى "أن أولياء التلاميذ سبق أن طالبوا الجهات الوصية بالتدخل لإيجاد فضاء تربوي لإيواء بناتهم للحيلولة دون انقطاعهن عن الدراسة، لكن محاولاتهم باءت بالفشل"، بحسب تعبير المتحدث.
لفت الفاعل الجمعوي، إلى أن معظم الأسر بمنطقة ألنيف تفضل فصل الفتيات عن الدراسة خوفا عليهن، ونظرا للثقافة السائدة خصوصا، ما لم يحصلن على منحة الداخلية، بخلاف فئة الذكور الذين يكونون أوفر حضا لإتمام مسارهم الدراسي سواء توفرت المنحة أم لا.
غياب النقل المدرسي..

النقل المدرسي
ومن جانبه، اعتبر بن عريرو عزيز، طالب باحث، أن بُعد المسافة وغياب النقل المدرسي سيحتم على الكثير من الفتيات مغادرة صفوف الدراسة نتيجة مصاريف الكراء الباهظة في السنوات الأخيرة، التي لا يستطيع أولياء الأمور توفيرها.
وأضاف بن عريرو، أن الوزارة الوصية على قطاع التربية والتعليم، تتحمل مسؤولية كاملة عن أي فتاة تنقطع عن الدراسة بفعل تماطلها في إيجاد الحلول الكفيلة للهدر المدرسي.
تمدرس الفتاة القروية حق دستوري..

وفي تعليقها حول الموضوع، تقول نعيمة الصنهاجي، الكاتبة العامة للجنة دعم تمدرس الفتاة القروية، "إن المغاربة واعون بأن التعليم حق يكفله الدستور المغربي، وإنه من حق أي فتاة أن توفر لها الدولة الشروط الضرورية لمواصلة مسارها التعليمي".
وعندما ننظر إلى الإحصائيات الوطنية لوزارة التعليم لسنة 2014، تقول الصنهاجي، "نجد أن نسبة الفتيات اللواتي يلجن المدارس في المستوى الابتدائي، تقدر بـ 97 في المائة، وتتقلص هذه النسبة في المستوى الإعدادي إلى 27 في المائة، في حين لا تتجاوز نسبة 7 في المائة في المستوى الثانوي"، مشيرة إلى أن أكبر نسبة للهدر تمس الفتيات أكثر من الفتيان.
وفي مناطق الجبال مثل أيت عتاب وأنفكو، ترى المتحدثة ذاتها، أن الحالة تكون أصعب بكثير في فصل الشتاء خصوصا مع تساقط الثلوج، مبرزة، "أن أعلى نسبة من الهدر المدرسي تحدث بعد حصول الفتاة على الشهادة الابتدائية، وترغب في الانتقال إلى المستوى الإعدادي".

الهدر المدرسي في الوسط القروي
وتدعو لجنة دعم تمدرس الفتيات القرويات التي تأسست سنة 1998، وحصلت على صفة المنفعة العامة سنة 2007، "إلى ضرورة التعبئة الشاملة للمجتمع لكي تكون مسألة التربية بشكل عام وتربية الفتيات بشكل خاص في قلب كل البرامج التنموية".
وتهدف اللجنة التي، وتعتبر الصنهاجي كاتبا عام لها، إلى محاربة الهدر المدرسي للفتيات في العالم القروي وتسهيل ولوجهن إلى مختلف أسلاك التعليم والمبادرة بأنشطة لتحسين ظروف تمدرسهن.
https://www.youtube.com/watch?v=Z0rlONKWB4I
وبغض النظر عن انتشار الأمية لدى الأسر، والتقاليد التي تجبر الفتاة على المكوث في البيت، والبنية التحتية الضعيفة لبعض مدارس العالم القروي، وكثرة تغيبات الأساتذة وعدم مواظبتهم، هناك عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية، إلى جانب عوامل أخرى تتدخل لتسبب في ترك الفتيات لمقاعد الدراسة.

مشاركة