المحطات الطرقية.. كابوس ينسف فرحة المغاربة بالعيد

صياح في كل حدب وصوب، أفواج من الأجناس البشرية المختلفة في سباق مع الزمن ومع بعضهم من أجل ولوج المحطة والظفر بمقعد في حافلة تأخذه بعيدا من العاصمة الرباط أو الدار البيضاء.

بعضهم يحمل رزما وأكياسا وآخرون يجرون حقائب ونسوة يشنقن على أبنائهن، الكل في سيرورة واحدة وأعين الجميع على تذكرة تبدو ذهبا بين أيدي وسطاء ينتعشون في مثل هذه الأيام التي تعلن فيها "حالة طوارئ"، شعارها العشوائية والانتهازية والمضاربة وأشياء أخرى.

حالة استثنائية :

تعيش المحطات الطرقية طيلة الأيام الأخيرة التي تسبق عيد الأضحى، حالة استثنائية وحركية غير عادية تتكرر مع حلول كل مناسبة تفرضها الطلبات الملحة للمواطنين وإقبالهم الكبير على هذه المرافق الحيوية.

المكان محطة "إنزكان"، لافتة كبيرة تبدو للعيان، كتب عليها "أيها المسافرون خذوا تذاكركم من الشبابيك"، في محاولة منها لحث الوافدين على تفادي عمليات نصب قد يتعرضون لها في أي وقت من قبل عمال وهميين لشركات نقل بذات المحطة، وهي التي يعرف عنها الجميع أنها مأوى مفضل للنشالين وقطاع الطرق والناهبين، ومرتع خصب للمتسولين والمتشردين الذين يؤثثون جنباتها.

حشود من البشر تحتل رقعا متفرقة من المحطة، بعضهم يسير دون اتجاه، وبعضهم فضل الجلوس على أمتعته، وآخرون نيام في أوضاع مختلفة إلى جانب المتشردين، الذي يجمع الكل هو انتظار حافلة ستأتي، دون أن يتعرفوا على توقيتها.

محطة

القامرة، أولاد زيان باب دكالة.. عنوان المعاناة:

قبل أن تطأ قدماك أرض واحدة من المحطات ، وبعيدا عن مداخلها، منظر مألوف أشخاص مجهولون يصحيون في كل اتجاه، تصدح حناجرهم بأسماء مدن واتجاهات مختلفة، ما يثير الإنتباه في هؤلاء أنهم يعملون قصد الإمكان على إقناعك بالذهاب إلى منطقة معينة، بل منهم من يعترض طريقك بالقوة، ومنهم من يجرك من الخلف دون أن يميز بين الرجل والمرأة، بين القوي والضعيف، الذي يهمه هو أن يجبرك بشتى الطرق على قطع تذكرة قد تدر عليه دريهمات معدودات، ولا يخلو محيط المحطة من ملاسنات وصدامات تصل حد الإشتباكات بالأيدي بين هؤلاء الوسطاء وبعض المسافرين الذي لا يتحملون الإحراج.

في زيارتنا لمحطة "القامرة" بالعاصمة الرباط، لم تكن الأمور على أحسن حال، صحيح أن الوضعية ليست متأزمة من حيث قلة الحافلات، لكن المواطنين يجمعون على أن لسان حال المحطة يناشد تغييرا جذريا، "حسن" رفقة أخويه واحد من المسافرين إلى مدينة الصويرة يضع أمامه رزما وعلبا كرطونية وأمتعة يقول متحدثا للجريدة "انتظرنا لوقت طويل في المحطة، لا شيء تغير بالمقارنة مع السنوات الماضية، العشوائية تطبع المكان والشركات تستغل الطرفية من أجل الربح السريع".

من جانبه كشف عبد الكريم صاحب محل تجاري بسلا وهو بصدد التوجه إلى ضواحي طاطا أن التذكرة وصلت سقف 400 درهم، أما "أحمد" فوجهته أكادير وقد حصل على تذكرة بشق الأنفس بمبلغ 220 درهما، وهي التي لا تتجاوز في الأيام العادية 100 إلى 120 درهما.

محطة

المحطة بخير:

على عكس المسافرين الذين أبدوا قلقهم الشديد من الوضعية المأساوية التي آلت إليها المحطات الطرقية، فإن جمعية أرباب النقل الطرقي بمدينة إنزكان واحد من المحطات التي تعرف دينامية كبيرة على المستوى الوطني باعتبارها تربط بين شمال المملكة وجنوبها، تشير بأن كل شيء على ما يرام، رئيسها يقول بأن الحالة عادية وأن الحافلات متوفرة إلى جميع الإتجاهات، كما أشار إلى أن الحديث عن المضاربة والزيادة في أسعار التذاكر إنما هو ضرب من الخيال، مؤكدا أن من أقدم على اجتياز سقف الأسعار المنصوص عليها فهو يرتكب مخالفة ويعرض بذلك نفسه للعقاب.

بعد تصريح الرئيس مباشرة قمنا بجولة تفقدية بداخل المحطة رغم أنها تبقى محطة استقبال في مثل هذه المناسبات، سألنا عن الأسعار، فوجناها تخالف تماما ما يشير إليه المسؤولون، فالدار البيضاء مثلا 150 إلى 170 درهما، وثمن تذكرة الرباط تجاوز 180 درهما، أما خريبكة فقد وصل 170 درهما، بينما إلى تيزنيت 40 درهما عوض 20 ، ولا يتنازل أصحاب الشركات عن 80 درهما كسعر تذكرة السفر إلى مدينة الصويرة بدلا من 50 درهما.

محطة

الوزارة هي المسؤولة:

مسؤوليات يحاول الجميع أن يخلص نفسه منها ويشر بأصبعه للآخرين، فالقائمون على تدبير المحطات الطرقية يقولون بأن الأخيرة تعيش أوضاعا عادية والأثمان متعارف عليها، شأنهم شأن أرباب النقل ومهنيوه، أما المسؤولون في العمالات والأقاليم فهم يستبقون مثل هذه المناسبات بأنهم وضعوا برامج خاصة لتفادي أية تجاوزات، فيما اكتفت الوزارة في شخص محمد نجيب بوليف بتدوينة على حائطه الفيسبوكي يدعو فيه كل من سجل أية زيادة في سعر التذكرة إلى تقديم شكاية.

عبد الكريم الشافعي رئيس الفيدرالية الجهوية لحقوق المستهلك بسوس حمل في تصريح لمجلة "سلطانة"، المسؤولية لوزارة التجهيز، باعتبارها لا تملك خططا استراتيجية ونية واضحة في التدخل لإصلاح القطاع.

وقال "الشافعي" إن لوبيا يتحكم في الأسعار بالمحطات الطرقية يكون فيها مدراء ومسيرو الأخيرة شركاء في عملية النصب على المسافرين، مضيفا أن مختلف أنواع الإبتزازات التي تمارسها شركات النقل وجهات خفية، تقع أمام أعين وزير النقل والتجهيز ويتتبعها لكنه لا يقدم على أية خطوة على أرض الواقع.

محطة

الربح السريع:

كل المواطنين الذين يقصدون المحطات الطرقية في مثل هذه المناسبات لا يحملون معهم إلا سؤالا واحدا، ما هو سعر تذكرة السفر؟.. سؤال محير إلى حد ما، باعتبار أن الإثنان لا يختلفان في كونها ستكون مضاعفة، "زكرياء" واحد من ساكنة تيزنيت يقول بأن المواطن يستجيب لرغبة السماسرة بالمحطة، ويدفع رغما عنه ما يطلبون فقط إن هو أراد أن يقضي العيد بين أهله، ويضيف بأن أرباب الشركات بالمحطة لا يهمهم شيء آخر غير أن يدسوا في جيوبهم الأموال.

مسؤول عن الأسعار بالقسم الإقتصادي في عمالة إنزكان أيت ملول قال للمجلة أن القسم اتخذ كافة الترتيبات والإجراءات الإستباقية والإعتيادية في مثل هذه المناسبات، مضيفا أن هذه الترتيبات ساهمت بشكل أو بآخر في وضع النقط على الحروف والوقوف سدا منيعا أمام عدد من التجاوزات، وحول ارتفاع أسعار التذاكر ومضاعفتها نفى المسألة مشيرا أن المهنيين وأصحاب الشركات بالكاد يصلون سقف الأثمان المنصوص عليها فما بالك أن يجتازوها، عازيا الأمر إلى كثرة العرض وقلة الطلب الذي تتحكم فيه بحسبه عوامل عديدة من بينها وجود فارق ليس بالكبير بين عطلة الصيف والدخول المدرسي ومناسبة عيد الأضحى هاته.

محطة

رخص استثنائية تعمق الجراح:

في مثل هذه المناسبات التي تعرف حركة غير عادية على مستوى النقل الطرقي بالمغرب، تعمد وزارة التجهيز إلى منح رخص استثنائية لشركات نقل من أجل تأمين نقل المسافرين إلى وجهاتهم بتسعيرات محددة والحيلولة دون وقوع "بلوكاج" في الرحلات على مستوى عموم التراب الوطني، لكن هذه الرخص لا تفك أسر المسافرين في المحطات بقدر ما تزيد من معاناتهم.

ويكشف صاحب شركة للنقل رفض الكشف عن هويته أن سماسرة نافذين هم من يستفيدون من هذه الرخص، وأحيانا يتم بيعها بمبالغ مالية، مضيفا أن الشركات التي تشتري الرخص تبحث مباشرة عن الربع السريع مهما اقتضى الأمر من أجل تعويض ما دفعته قبل أن تفكر في عائداتها.

ومن مساوئ الرخص الاستثنائية التي تستفيد منها شركات النقل، أنها تؤدي إلى ظهور أسطول من الحافلات المهترئة، تلجأ إليها الشركات لسد الخصاص دون مراعاة توفرها على شروط السلامة.

ويبقى المغاربة مع قدوم كل مناسبة على ما هو عليه، ينشدون التغيير ويطالبون المسؤولين بالتدخل لوضع حد لحالة الفوضي التي تطبع المحطات الطرقية، لكن لا شيء يتغير ولو إلى حدود اليوم.

محطة

مشاركة