مسرحية "أمر" المغربية تناقش ثيمات الزواج وقبول الآخر

في ظروف ليست شاعرية بتاتا، يلتقي رجل له أنف ضخم بامرأة لها أنف طويل على خشبة مسرح "دبا الحصن" ليعرضا لنا لقاءاتهما الغرامية المثقلة بالبحث عن وسط أو حياة يتوازن فيه الطرفان، تحصل فيها المرأة على الكلمات العذبة والرومانسية التي تبحث عنها طوال مدة عرض "أمر" (45 دقيقة) من زوجها الذي يبحث هو أيضا عن مخرج للوضع الذي يُزج فيه، وهو وضع تتطلب فيه زوجته تذكره لتفاصيل لقاءاتهما الغرامية، مما يستحيل على الزوج فعل ذلك.
أساس مسرحية "أمر" للمخرج المغربي خالد الجيني وتأليف أحمد سيباع ثيمة الزواج والقبول لدى الطرف الآخر، ثم تتوزع حولهما ثيمات الحياة المشتركة وحقيقة الذات يتناولها المخرج بشكل ذكي عن طريق صناديق الهدايا، إذ يتلقى الزوجان مجموعة من الهدايا على شكل صناديق، وكل صندوق يشدّ لنا ثيمة تجعل الزوجان يتوقفان عندها ويفكران مليّا فيها، إن كانت مناسبة كمدح للزوجة سيحتفظان بها، وإن لم يوفقا سيتخلصان منها، لكن صندوق المرآة ظلّت الحقيقة التي لم يستطيعا النظر إليها.
تنفتح "أمر" على قراءات متعددة، وتعالج في مضمونها أيضا، وإن اتسمت القصة بالغرابة، إلّا أنها تقارب مشاكل الزواج العادية التي يعيشها الزوج والزوجة العربيان على الدوام، واستطاع فيها فريق العمل الشبابي أن ينقل واقعا مغربيا لما يقع في أقصى المشرق العربي، وتحيلنا "أمر" التي قدمت باللهجة المغربية المحلية إلى مقاربة تبين للجمهور مدى تشابه وتشابك المواطن العربي في يومياته؟
جاء عرض "أمر" في اليوم التالي من افتتاح "مهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائي" في دورته الأولى إلى جانب أربعة عروض عربية أخرى تختلف باختلاف القضايا المطروحة للجمهور. في اليوم الأول عرضت مسرحية "الجزيرة" للمؤلف أثول هوغارد متخذة المسرح الاحتجاجي شكلا لها عندما تناولت قصة سجينين عاشا تحت نظام الفصل العنصري بجنوب إفريقيا وأخرجها الإماراتي أنس عبد الله، أما عرض "أعراس آمنة" نشهد فيها مسرحة رواية للكاتب إبراهيم نصر الله وتنتصر للألم الفلسطيني وخاصة بقطاع غزة من خلال قصة رجل فلسطيني يقع في الأسر ثم يعود لعائلته بعد عشرين عاما بعد أن هرب من السجن، لنقف أمام عرضا مكثفا بدلالات ورموز القضية الفلسطينية والتحولات التي تعيشها.
من زاوية فلسفية تحكي مسرحية "كنبال" الجزائرية للمخرج المغربي هشام شكيب عن الوجود الإنساني والصراع الدائر بين الخير والشر وثنائية الشك والحقيقة بطريقة تدعو إلى التغير في المستقبل. 
ويلحظ أن معظم تميزت بعنصر شبابي في طاقهما الفني والإعدادي، وتستثنى مسرحية "زكريا حبيبي" التي اختتم بها فعاليات المهرجان، ويقدمها المسرحي الكويتي القدير أحمد السلمان والسورية سماح. عرض يتشابه نوعا مع مع "أمر" حيث يمثلانها زوجان لا ينجبان، شائخان، ويعانيان من الوحدة التي تزيد من حدة الخلافات بينهما، ليصل الوضع إلى حدّ المصارحة وكسر الصمت بينهما. 

بالتوازي مع العروض، نظمت حلقات نقاش تلي العروض في محاولة لتطوير أدائها، كما نظمت ندوتين فكرييتنن ناقشتا مفهوم المسرح والعلوم، امتدادا للدورة الثانية عشرة لملتقى "الشارقة للمسرح العربي". وتناولت الندوتين "أبو الفنون" والعلوم من منظور فلسفي وتاريخي وعلاقة هذا المسرح بالقيم، وقدمت قراءات في أعمال عربية غربية وعربية للمسرحي توفيق الحكيم والمسرحي برتولد برشت، وكيف يمكن لهذا المسرح أن يتناول رؤى وأفكار إيجابية تواجه مخاطر العلم الذي بات يفرض سلطة خاصة به.
"مهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائي" يؤسس لمهرجان نوعي سينطلق سنويا ويسلط الضوء على خصوصية "الثنائي" الفنية التي تُعنى بمبدأ الاقتصار على ممثلين اثنين فوق الخشبة. في هذا الإطار، ولتوضيح مفهوم المسرح "الثنائي" وتفكيكه قدم الناقد والكاتب المسرحي المغربي حسن اليوسفي ورقة تفيد بأن "المسرح الثنائي ظاهرة موجودة خلقها الخطاب والتفكير النقديين، وأفرز هوية خاصة به من خلال الثنائيات التي يعالجها ومن خلال شخوصه وبنيته الدراماتورجية، إضافة إلى الحوار واللغة الدرامية"، مشيرا إلى أن صيغته "أكثر دقة" من غيره من أنواع المسارح. 
من ناحية الشكل، قال اليوسفي إن المسرحية الثنائية يمكن أن تندرج ضمن "مسرح الأفكار الذي تتجادل فيه الشخصيتان الثابتتان حول قضية ما ومسرح الأحداث الذي تتحرك فيه الشخصيتان مخلقتان أفعالا درامية، في حين يتجه هذا النوع إلى معالجة ثنائية الخير والشر، الحب والكراهية، وغيرها عبر شخصيات تربط بينها علاقات عائلية أو زواج أو حب أو سلطة أو خدمة، مستثمرا في شخصيات نمطية مثل السيد والتابع، العاشق والزوج المخدوع يتحدث عنها نص درامي أو ملحمي أو نص متشذر يتكون من مقاطع لا ربط بينها، ويتألف هذا النص من مونولوجات متوازية، أو حوار ثنائي"، مشيرا إلى نصوص خالدة كُتبت في هذا السياق، مثل مسرحية "الخادمات" للفرنسي جان جينيه. 

وعن انتشار هذا النوع بالعالم العربي، أوضح اليوسفي أن "التأسيس للثنائي لا يزال ببدايته، مشيراً إلى "الحاجة للمسرح الثنائي لما يحمله من بعد تربوي، وفرصة تناسب المبتدئين بالمسرح"، مضيفا أن "نصوصا مسرحية هائلة تأخذ شكل المسرح الثنائي ولكن كتبت بدون وعي لافتقارها للتأسيس النظري".

أفق مسرحي جديد

في المدينة الفاضلة كما وصفها صاحب السمو الحاكم سلطان القاسمي "دبا الحصن"، المدينة العريقة تاريخيا وجغرافيا وتتبع إمارة الشارقة نظمت فعاليات المهرجان بمركز "دبا الحصن" الثقافي على خمسة أيام تعزيزا وامتدادا لدور الشارقة باحتفائها بـ"أبو الفنون" من خلال مبادرات ثقافية وفنية جديدة برعاية حكومية تهدف بطبيعتها إلى التوسع تستقطب فيها المواهب المسرحية. 
ويعتبر مهرجان "دبا الحصن" جزء من لوحة التظاهرات المسرحية المقامة في الشارقة، من فعاليات "الأيام" إلى "المسرحيات القصيرة" مروراً بـ"مهرجان المسرح الكشفي"، "مهرجان خورفكان المسرحي الكرنفالي"، و"المسرح الصحراوي" وصولاً إلى "المسرح الخليجي". 
في هذا السياق أوضح مدير المهرجان أحمد بورحيمو أن "المسرح الثنائي من أهم المسارح التي يتطرق إليها العالم حديثا، عدا وجود تجارب على المستوى العربي" معتبرا أن "العمل فيه من أصعب المذاهب المسرحية. يحتاج المؤلف فيه إلى طاقات كبيرة لنقل أفكاره ومعانيه بين شخصيتين وللجمهور". 
وأوضح في حديثه عن دور دائرة الإعلام والثقافة بالشارقة بـ"نشر ثقافة جديدة للمجتمع بواسطة شكل مسرحي جديد يقدم مرونة فكرية تصب في مصلحة لا تصغي للتجريب بل التقريب بين الجماهير التي تتعامل مع وسائل اتصال معينة، إضافة إلى تقديم برامج تتعلق بسهولة تنقل الأعمال المسرحية، والخوض تجربة عرض مسرحيات عربية، فضلا عن تحريك منطقة دبا الحصن ليتفاعلوا مع المسرح الثنائي، ولكي يتعرف الفنانين العرب على منطقة الشارقة". 
وعمّا إن كان المهرجان سيخصص للعروض الشبابية فقط، أوضح بورحيمو أن "البحث عن تجارب شبابية لضخ دماء جديدة في المسرح الثنائي مهم، كما أن المسرح الثنائي بحاجة للشباب".

وصال الشيخ -دبا الحصن- الشارقة 



مشاركة